عبد الملك الجويني
151
نهاية المطلب في دراية المذهب
العفو ، وإذا سقط القصاص ، فلا معنى لبقاء الاستنابة مع سقوط أصل الحق ، فقد ظهر فساد أصل هذا المأخذ . ومن أصحابنا من قال : القصاص ساقط بالعفو لا محالة ، والوكالة زائلة ، والقولان في وجوب الدية مأخوذان من أصلٍ آخر ، وهو أن من قتل إنساناً عمداً في دار الحرب ، وجرد القصد إليه وألفاه في صف المشركين ، ثم تبين أنه كان مسلماً [ مأسوراً ] ( 1 ) ، فلا شك في انتفاء القصاص ، وفي وجوب الدية قولان ؛ من جهة ظهور العذر في الإقدام على القتل ، فالمستناب إذا قتل بهذه المثابة ؛ من جهة أنه بنى أمره على قصاصٍ [ ثابت ] ( 2 ) واستنابةٍ صحيحة ، وهذه الطريقة [ مثل ] ( 3 ) قليلاً ، وإن كان يتضح الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة الأسير ؛ فإن القاتل لا يبعد نسبتُه إلى التقصير وترك التحفظ ، من جهة اقتداره على أن يقتل والمستحِق واقف عليه ، ولا يستمكن الغازي من العلم بالمصطفّين في صف الكفار ، وهو مأمور بقصدهم بأسباب المنايا . 10410 - ثم إن قلنا : تجب الدية على المستناب ، فلا شك في وجوب الكفارة ، وإن قلنا : لا تجب الدية ، فظاهر نص الشافعي أن الكفارة لا تجب . ومن أصحابنا من قضى بوجوبها ، وهو مذهب المزني ، ولا وجه في انتفاء الكفارة إلا المصير إلى تقدير بقاء القصاص ووقوع القتل حقاً ؛ فإن ( 4 ) الكفارة تثبت على من قتل أسيراً بسهم غَرْب ( 5 ) على العاقلة ( 6 ) .
--> ( 1 ) في الأصل : " مأموراً " . ( 2 ) في الأصل : " راتب " . ( 3 ) في الأصل : " أميل " . ( 4 ) في مقام التعليل لوجوب الكفارة على المستناب ، حتى ولو لم تجب الدية ، والمعنى : أن الكفارة إذا كانت تجب على من قتل أسيراً مسلماً في صفوف الكفار ، بسهم لا يدري أنه يقع على مسلم فمن باب أولى تجب على المستناب الذي قتل بعد العفو جاهلاً بالعفو . ( 5 ) سهم غرب : لا يُدرَى من رمَى به ( المعجم ) والمعنى هنا أنه رمى بسهم على كافرٍ لا يدرى كونه أسيراً مسلماً . ( 6 ) متعلق بقوله : " من أصحابنا من قضى بوجوبها " أي الكفارة على المستناب الذي يقتل جاهلاً بعفو مستحق القصاص .